روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
424
عرائس البيان في حقائق القرآن
قال الأستاذ : تسبّح في بحار توحيد الحق أسرار أهل التحقيق بحرهم بلا شاطئ ، فبعدما حصلوا فيها فلا خروج ولا براح ، فحازت أيديهم جواهر التفريد ، فوضعوها في تاج العرفان ، ولبسوه يوم اللقاء . قوله تعالى : ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ : فضله معرفته ومحبته والاستقامة فيهما بنعت العبودية في مشاهدة الربوبية ، يؤت هذا الفضل من يشاء من عباده المصطفين في الأزل . قال الجوزجاني : ذلك « الفضل » : هو الأنس باللّه ، إذا وجدوا نعمة الإنس نسوا كل نعمة دونه ، إذا وجدوا نعمة فوق كل نعمة ، بأن ربّهم نعّمهم في معرفته ، وهو قوله : ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ . وقال الحسين : جاد الجواد بجوده لغير علة ، وتفضل بالفضل ، وأتمها بالمنن ، وغشاها بالنعم ؛ إذ يقول : ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ، فقطع بالمشيئة ولحق الأسباب ، فكان الكرم منه صرفا لا يمازجه العلل ولا يكتسبها الحبل ، جاد به في الدهور قبل إظهار الأمور . [ سورة الجمعة ( 62 ) : الآيات 6 إلى 11 ] قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 6 ) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 7 ) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 9 ) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 10 ) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 11 ) قوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ حزب اللّه المدّعين في محبته بالموت ، وأفرز الصادقين من بينهم لما غلب عليهم من شوق اللّه وحب الموت ، فتبين صدق الصادقين هاهنا من كذب الكاذبين ؛ إذ الصادق يختار اللحوق إليه ، والكاذب يفرّ منه .